الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من اصول أهل السنة والجماعة الاعتقاد بأن لزوم جماعة المسلمين وطيّاعة ولاة الأمور من أعظم قواعد الدين، وأنها عصمة للدماء والأموال، وقد دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وما أثر عن السلف الصالح.
أولاً: الدليل من القرآن الكريم
أمر الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولي الأمر في غير معصية، قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "أي: في أمور الله عز وجل وما أمركم به من طاعته التي هي طاعة الله ورسوله، وفيما نهاتكم عنه من معصيته، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
ثانياً: الدليل من السنة النبوية الشريفة
تواترت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على السمع والطاعة لولاة الأمور، وحرمة الخروج عليهم إلا أن يرى كفراً بواحاً فيه من الله برهان.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». (متفق عليه)
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ». (رواه مسلم)
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ». (متفق عليه)
ثالثاً: أقوال العلماء الأجلاء
نص أئمة السنة والجماعة في عقائدهم على وجوب طاعة ولاة الأمور وعدم منازعتهم، ومن ذلك:
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في "العقيدة الطحاوية":
"ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جوروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعة، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة".
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في شرحه للعقيدة الطحاوية:
"وأما طاعة الأئمة وإن جاروا: فإنه لا بد من طاعتهم في معصية الله، فإن في طاعتهم في غير معصية الله سلامة الدماء، وحصول الأمن، وبه تستقيم الأحوال".
وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:
"وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين".
وبهذا يتضح جلياً وفق منهج أهل السنة والجماعة أن ملازمة طاعة ولاة الأمور والرؤساء في غير معصية الله أصل عظيم من أصول استقرار الأمة وحفظ أمنها.