إن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن أكمل لها دينها، وأتم عليها نعمته، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. وهذا الإكمال يقتضي أن كل ما يحتاجه الناس في دينهم قد بينه الله ورسوله، وأن من أحدث في الدين ما ليس منه فقد استدرك على الله ورسوله.
والبدعة من أخطر ما يهدد نقاء الدين وصحته، فهي تشوه صورة الإسلام، وتلبس على الناس أمر دينهم، وتجعلهم يعبدون الله بما لم يشرع، ظناً منهم أنهم يتقربون به إلى الله.
أولاً: تحذير النبي ﷺ من البدع
لقد حذر النبي ﷺ من البدع أشد التحذير، وبين خطورتها على الدين:
- "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [متفق عليه] – أي كل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو مردود على صاحبه.
- "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" [رواه مسلم] – البدع من شر الأمور، وكلها ضلالة وليس فيها حسنة.
- "وكل ضلالة في النار" [رواه النسائي] – تحذير شديد من عاقبة البدع وأهلها.
ثانياً: خطر البدع على تشويه الدين
البدع ليست مجرد مخالفات عابرة، بل هي خطر عظيم على الدين ذاته:
- استدراك على الله ورسوله: المبتدع كأنه يقول إن الدين لم يكمل، فيأتي هو ليكمله بما ابتدعه.
- تضييع السنن: كلما انتشرت بدعة اندثرت سنة، كما قال السلف: "ما ابتدع قوم بدعة إلا ترك بها سنة".
- البدع تفضي إلى الشرك: كثير من البدع تكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، كالبناء على القبور والغلو في الأولياء.
- صاحب البدعة لا يتوب منها: لأنه يعتقد أنه على صواب وأنه يفعل خيراً، فلا يتوب ولا يرجع.
ثالثاً: أقوال العلماء في خطر البدع
الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله:
- "اختراع البدع والدعوة إليها يعتبر استدراكاً على الله، واستدراكاً على رسوله ﷺ، وفي المعنى كأنه يقول: إن ما كان عليه الرسول ﷺ ناقص، وأنا أكمله بهذه البدعة".
- "البدع فوق الكبائر، وأنها تلي الشرك؛ لأنها قدح في دين الله، ووسيلة للكفر بالله، فلهذا كانت أحب إلى الشيطان من المعاصي".
- "الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، وأن فعل الناس لها أو دعواهم محبة الرسول لا يجعلها سنة ولا يبررها، فإن حب الرسول ﷺ يقتضي اتباعه لا ابتداع ما لم يشرعه".
الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله:
- "الذين يذهبون إلى استحسان بعض البدع، أو إلى تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، لا نعلم أن لهم أدلةً زعموها، وإنما هو شبهات".
- "موضوع حديث (كل بدعة ضلالة) له علاقة كبيرة بالحاكمية لله عز وجل؛ فإن هذه إن لم تكن مشروعة فقد أدخلنا في الشريعة ما ليس منها بما لم يشرعه الله".
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
- "البدعة من أعظم الذنوب، لأنها تتضمن الطعن في الدين، وفي الله سبحانه وتعالى، وفي رسوله ﷺ، لأن ظاهرها أن الدين لم يكمل، وأن هدي النبي ﷺ ناقص، فيأتون هم بما يكملونه".
- "البدع تفرق الأمة، وتشتت شملها، وتسبب العداوة والبغضاء بين المسلمين".
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله:
- "البدع أفسدت بلاد الإسلام حتى أمست في فتن عظام، وكيف أن الأمر متوقف على نشر التوحيد والسنة وقمع الشرك والبدعة بتصفية الدين مما لحق به تشويه".
رابعاً: أمثلة على البدع التي تشوه الدين
- الاحتفال بالمولد النبوي: قال ابن باز: "الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، فإن حب الرسول ﷺ يقتضي اتباعه لا ابتداع ما لم يشرعه".
- البناء على القبور: قال ابن باز: "اتخاذ القباب على القبور، واتخاذ المساجد عليها، كل هذا من وسائل الشرك ومن البدع المحدثة".
- الأعياد المبتدعة: كعيد الأم وعيد الحب وغيرها، قال ابن باز: "ليس لنا إلا عيدان نحتفل بهما: عيد الأضحى، وعيد الفطر، وليس لنا أن نحدث احتفالات بأعياد أخرى".
- بدع الاعتقاد: مثل بدع الخوارج والرافضة والمعتزلة، التي تشوه عقيدة التوحيد.
خاتمة
إن البدع خطر عظيم على الدين، تشوه صورته، وتلبس على الناس أمر دينهم، وتجعلهم يعبدون الله بما لم يشرع. وقد حذر النبي ﷺ منها أشد التحذير، وبين أن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار. وقد أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على خطر البدع، وأنها شر من المعاصي، بل هي فوق الكبائر وتلي الشرك في الخطورة.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا اتباع السنة، والبعد عن البدع، وأن يحشرنا في زمرة النبي ﷺ وأصحابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.